محمد بن جرير الطبري

29

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

* ( وآخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم والله عليم حكيم ) * . يقول تعالى ذكره : ومن هؤلاء المتخلفين عنكم شخصتم لعدوكم أيها المؤمنون آخرون . ورفع قوله آخرون عطف على قوله : وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا . وآخرون مرجون يعني مرجئون لأمر الله وقضائه ، يقال منه أرجأته أرجئه إرجاء وهو مرجأ بالهمز وترك الهمز ، وهما لغتان معناهما واحد ، وقد قرأت القراء بهما جميعا . وقيل : عنى بهؤلاء الآخرين نفر ممن كان تخلف عن رسول الله ( ص ) في غزوة تبوك ، فندموا على ما فعلوا ولم يتعذروا إلى رسول الله ( ص ) عند مقدمه ، ولم يوثقوا أنفسهم بالسواري ، فأرجأ الله أمرهم إلى أن صحت توبتهم ، فتاب عليهم وعفا عنهم . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو صالح ، ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قال : وكان ثلاثة منهم يعني من المتخلفين عن غزوة تبوك لم يوثقوا أنفسهم بالسواري أرجئوا سبتة لا يدرون أيعذبون أو يتاب عليهم . فأنزل الله : لقد تاب الله على النبي والمهاجرين . . . إلى قوله : إن الله هو التواب الرحيم . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، قال : لما نزلت هذه الآية يعني قوله : خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكهم بها أخذ رسول الله ( ص ) من أموالهم يعني من أموال أبي لبابة وصاحبيه فتصدق بها عنهم ، وبقي الثلاثة الذين خالفوا أبا لبابة ، ولم يوثقوا ، ولم يذكروا بشئ ، ولم ينزل عذرهم ، وضاقت عليهم الأرض بما رحبت . وهم الذين قال الله : وآخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم والله عليم حكيم فجعل الناس يقولون : هلكوا إذا لم ينزل لهم عذر وجعل آخرون يقولون : عسى الله أن يغفر لهم فصاروا مرجئين لأمر الله ، حتى نزلت : لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة الذين خرجوا معه إلى الشام من بعد ما كاد يزيغ قلوب